السيد كمال الحيدري

102

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

فإن قلتَ : لو كانتِ الإرادةُ لا يُعرَفُ لها معنىً إلّا الكيفيّةَ النفسانيّةَ التي في الحيوان ، فما بالُها تُنتزعُ من مقامِ الفعلِ ولا كيفيّةَ نفسانيّةَ هناك ؟ فهو الشاهدُ على أنّ لها معنىً أوسعَ من الكيفيّةِ النفسانيّةِ ، وأنّها صفةٌ وجوديّةٌ كالعلم . قلتُ : اللفظُ كما يُطلقُ ويُرادُ به معناهُ الحقيقي ، كذلك يُطلقُ ويُرادُ به لوازمُ المعنى الحقيقي وآثارُه المتفرّعةُ عليه توسّعاً . والصفاتُ المنتزعةُ من مقامِ الفعل لما كانتْ قائمةً بالفعل ، حادثةً بحدوثِ الفعلِ ، متأخّرةً بالذاتِ عن الذاتِ القديمةِ بالذاتِ ، استحالَ أن تتّصفَ بها الذاتُ الواجبةُ بالذاتِ ، سواءٌ كان الاتّصافُ بنحوِ العينيّةِ أو بنحوِ العروضِ كما تبيّنَ في ما تقدّمَ إلّا أن يُرادَ بها لوازمُ المعنى الحقيقيِّ وآثارُه المتفرّعةُ عليه توسّعاً . فالرحمةُ مثلًا في ما عندَنا تأثّرٌ وانفعالٌ نفسانيٌّ من مشاهدةِ مسكينٍ محتاجٍ إلى كمالٍ كالعافيةِ والصحّةِ والبقاءِ ، ويترتّبُ عليه أن يرفعَ الراحمُ حاجتَه وفاقتَه ، فهي صفةٌ محمودةٌ كماليّةٌ . ويستحيلُ عليه تعالى التأثّرُ والانفعالُ ، فلا يتّصفُ بحقيقةِ معناها ، لكن تُنتزعُ من ارتفاعِ الحاجةِ والتلبُّسِ بالغنى مثلًا أنّها رحمة ، لأنّه من لوازمِها . وإذ كان رحمةً لها نسبةٌ إليه تعالى ، اشتُقَّ منها صفةُ الرحيم صفةَ فعلٍ له تعالى . والأمرُ على هذا القياس . والإرادةُ المنسوبةُ إليه تعالى منتزعةٌ من مقامِ الفعل ، إمّا مِن نفسِ الفعلِ الذي يوجدُ في الخارجِ ، فهو إرادةٌ ثمّ إيجابٌ ثمّ وجوبٌ ثمّ إيجادٌ ثمّ وجودٌ ، وإمّا من حضورِ العلّةِ التامّةِ للفعل ، كما يُقالُ عندَ مشاهدةِ جمعِ الفاعل أسبابَ الفعلِ ليفعلَ ، إنّه يريدُ كذا فعلًا .